محمد حسين هيكل

317

حياة محمد ( ص )

روحية عرف التاريخ ! . لكن النساء هناك ما زلن يلتدمن ويضربن وجوههنّ علامة أنه مات . ولكنّ عمرها هنا في المسجد ما فتئ ينادي بأنه لم يمت ، وبأنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، وبأن الذين يقولون بموته إنما هم المنافقون ؛ هؤلاء المنافقون الذين سيضرب محمد أيديهم وأعناقهم بعد رجعته . أي الأمرين يصدّق المسلمون ؟ لقد أخذهم الفزع أول الأمر ، ثم ما زالت بهم أقوال عمر تبعث إلى نفوسهم الأمل برجعة النبي حتى كادوا يصدّقون أمانيهم ، ويصوّرون منها لأنفسهم حقائق يكادون يستريحون إليها . مجيء أبي بكر من السنح وإنهم لكذلك إذ أقبل أبو بكر آتيا من السنح وقد بلغه الخبر الفادح . وبصر بالمسلمين وبعمر يخطبهم ، فلم يقف طويلا ولم يلتفت إلى شيء ، بل قصد إلى بيت عائشة فاستأذن ليدخل ، فقيل له : لا حاجة لأحد اليوم بإذن . فدخل فألفى النبيّ مسجّى في ناحية من البيت عليه برد حبرة « 1 » ، فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه يقبله وقال : ما أطيبك حيّا وما أطيبك ميتا ! . ثم إنه أخذ رأس النبي بين يديه وحدّق في معارف وجهه التي بقيت لم ينكرها عدوان الموت عليها ، وقال : بأبي أنت وأمي ! أمّا الموتة التي كتب اللّه عليك فقد ذقتها ، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا . ثم أعاد الرأس إلى الوسادة وردّ البرد على وجهه وخرج وعمر ما يزال يكلم الناس ويقنعهم بأن محمدا لم يمت . وفسح الناس لأبي بكر طريقا . فلما دنا من عمر ناداه : على رسلك يا عمر ! أنصت ! . لكن عمر أبى أن يسكت أو ينصت واستمر يتكلم . فأقبل أبو بكر على الناس وأشار إليهم بأنه يكلمهم . ومن كأبي بكر في هذا المقام ؟ ! أليس هو الصّدّيق صفيّ النبيّ ومن لو اتخذ خليلا لاتخذه خليلا ؟ ! لذلك أسرع الناس إلى تلبية دعوته وانصرفوا إليه عن عمر . فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ، إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات . ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حيّ لا يموت . ثم تلا قوله تعالى : ( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) « 2 » . وكان عمر قد أنصت حين رأى انصراف الناس إلى أبي بكر ؛ فلمّا سمع أبا بكر يتلو هذه الآية خرّ إلى الأرض ما تحمله رجلاه موقنا أنّ رسول اللّه قد مات . وأمّا الناس فقد أخذوا من قبل بأقوال عمر ، حتى لقد ألفوا أنفسهم إذ سمعوا هذه الآية يتلوها أبو بكر وكأنهم لم يكونوا يعلمون أنها نزلت . وكذلك زايل القلوب كل شك في أن محمدا قد اختار جوار الرفيق الأعلى ، وأن اللّه قد ضمّه إليه . أفكان عمر غاليا حين اقتنع بأن محمّدا لم يمت ، وحين دعا الناس إلى مثل اقتناعه ؟ كلا ! وإن العلماء ليحدّثوننا اليوم بأن الشمس ستظل تتناثر على حقب الدهور حتى يجيء يوم تفنى فيه . أفيصدق أحد هذا الكلام من غير أن تساوره الشكوك في إمكانه ؟ هذه الشمس التي ترسل من ضيائها ومن حرارتها ما يحيا العالم به ، كيف تفنى وكيف تنطفئ ثم يبقى العالم بعدها يوما ؟ ومحمد لم يكن أقلّ من الشمس ضياء ، ولا حرارة ، ولا قوة . وكما أن الشمس محسنة ، فقد كان محمد محسنا . وكما أن الشمس تتصل بالكائنات كلها ، فقد كان روح محمد يتصل بالكائنات جميعا ، وما زال ذكره صلى اللّه عليه وسلّم يعطّر الكون كله . فلا عجب إذا اقتنع عمر بأن محمدا لا يمكن أن يموت . وهو حقّا لم يمت ولن يموت .

--> ( 1 ) برد حبرة ( بالوصف وبالإضافة ) : برد يمان موشى مخطط . ( 2 ) سورة آل عمران آية 144 .